لينين قراد: كيف كانت الحياة تحت وطأة الحصار الأكثر دموية بالتاريخ
الحصار هو نزاع أهون من غيره من النزاعات حيث يطوق أحد الجيوش الآخر. لا يُنال النصر في الحصارات عن طريق المعارك، بل يُؤخذ بقطعِ الميرة عن العدو، بأمل أن المحاصَر يجوع وتنهار معنوياته حتى يُسلّم نفسه.
في العصور الوسطى كان الحصار شائعًا، فقد كان أحد أهم ركائز غزوات الجيوش بين حكام أوروبا، ولكن تغيرت الحصارات في عصر نابليون بسبب اختراع المدفعية، تلك الآلة التي حولت أكثر المدن المحصنة إلى مدن سهلة الغزو. وفي القرن العشرين، حين استُبدلت المدافع بالدبابات والطائرات، أصبحت الحصارات نادرة الحدوث.
ولكن تناقص حدوث الحصارات لم يقلل من أعداد ضحاياها. إن حصار لينينغراد الذي استمر من سبتمبر ١٩٤١ إلى يناير ١٩٤٤ حصد أرواح ما يقارب ٨٠٠ ألف مواطن. ويُعتبر هذا الحصار أحد أكثر الحصارات المعاصرة تدميرًا. وقد احتج بعض المؤرخين بأن طبيعة الحصار ونهجه يؤهلانه لأن يُصنَّف كمذبحة جماعية عوضًا عن إجراء حربي.
كان العيش داخل مدينة لينينغراد تحت وطأة الحصار مستعصيًا على الخيال. بمرور الأيام تضاءلت رغبة المواطنين بالعيش بينما تعاظم الجوع وسلب من الناس قدرتهم على الضحك والحب، وألف السكان الموت حتى فقد هيبته. ولكن على الجانب الآخر ألهم الحصار بعض البلغاء ليكتبوا في الأوضاع المجحفة التي عاشوها.

داخل حصار لينينغراد
في ٢٢ يونيو عام ١٩٤١ غزت القوات النازية الاتحاد السوفيتي. فوجئت الحكومة السوفيتية بهذا الهجوم الذي أخذها على حين غِرة، فقد وقعت معاهدة عدم اعتداء مع ألمانيا منذ سنتين.
ومع مطلع أغسطس اقترب حشد جنود هتلر من مدينة لينينغراد التي استهدفوها لوفرة المراكز الصناعية فيها. تحرك الألمان بسرعة، ولكن سرعان ما دفعوا ثمن تسرعهم لأن روسيا كانت أوسع من أوروبا الشرقية ومناخها كان أدهى وأمرّ. أنهك المرض جنود الألمان وجعلهم غير قادرين على القتال في شتاء روسيا، وعليه قرر الضباط النازيون أنهم سيحتلون لينينغراد عن طريق الحصار عوضًا عن القتال، وهو قرار لم تُحمد عقباه.
لم يكن هدف الألمان الوحيد هو قطع مؤونة العدو فقط، بل استهدفوا المدينة بعدة جولات من القصف المدفعي. في بداية الحصار فجّر أحد المدافع مجموعة مخازن بالقرب من زابالكنسكي بروسبيكت، مما أضعف مؤنة السكر والدقيق الشحيحة لدى لينينغراد.
في محاولة يائسة لإنقاذ أنفسهم كان سكان لينينغراد يمزجون حصتهم اليومية من الخبز مع نشارة الخشب والحبوب، وكانوا يغلون الغراء ليستفيدوا من كميات السعرات الحرارية الضئيلة فيه، وبدلًا من اللحم كان أمناء حديقة الحيوانات في لينينغراد يقدمون التبن المغطى بالدم والعظام لحيواناتهم ليخدعوها فتأكله.
بداية إنسان الحصار
وظيفة سكان لينينغراد كانت النجاة، ولكن هذا لم يمنع بعض كتّاب المدينة من تدوين يومياتهم داخل الحصار. واليوم تُعتبر هذه المدونات أثرًا تاريخيًا في ذاكرة روسيا الأدبية.
واحدة من أهم هؤلاء الأدباء كانت طفلة في الحادية عشرة من العمر تدعى تاتيانا سافيتشيفا، التي توثق يومياتها الموجزة موت أختها وجدتها وأخيها وعمها وأمها.
آخر ملحوظتين في يوميات سافيتشيفا تلخصان كل ما يحتاج القارئ أن يعرفه. إحدى الملحوظات كانت:
"الكل مات"
والأخرى:
"لم يتبقَّ سوى تانيا"
تمكنت سافيتشيفا من الهرب خارج لينينغراد، ولكن مرض السل تمكن منها وماتت بعد أشهر من رفع الحصار عن المدينة. وكَرمز للضحايا المدنيين تلقت سافيتشيفا نصبًا تذكاريًا، واستخدمت رسائلها كأدلة ضد يد هتلر اليمنى خلال محاكمات نورمبرغ.
ليديا غينزبورغ هي أيضًا إحدى الكاتبات اللواتي ساعدن بتشكيل ذاكرتنا عن حصار لينينغراد. في كتابها Blockade Diary تحاول ليديا أن تبين كيف يغير الحصار نظرة الإنسان للعالم. ولأنها خريجة كلية الفنون والتاريخ من جامعة لينينغراد، نجد أنها ترسم صورة منظمة عن الوضع الفوضوي في تلك الفترة.
من خلال عملها ترسم غينزبورغ صورة سيكولوجية لسلالة جديدة من البشر أطلقت عليها اسم "إنسان الحصار". تصف الكاتبة هذه السلالة بأنها:
"مفكر تحت ظروف استثنائية"
فإنسان الحصار ينحدر عن مستوى الإنسان أو يعلوه. وعلى الرغم من أنهم مجبرون على العيش تحت ظروف وحشية، فإن هذه الظروف تساعدهم على الانخراط في ثورات وجدانية.
مذكرات الحصار لليديا غينزبورغ
مذكرات ليديا قطعة أدبية ثقيلة لم تحظ بتقدير كافٍ، فملاحظاتها العابرة خلفت آثارًا عظيمة. تشرح ليديا كيف أن العيش تحت الحصار جعل المواطنين لا يفرّقون بين أحياء المدينة وفق تقسيمها التاريخي، بل غدت المدينة تُقسَّم بحسب مدى تعرضها للقصف.
كان الموت يحوم عند كل منعطف، ومع ذلك وجد سكان لينينغراد طرقًا لطرده من أذهانهم. تولدت خلال الحصار عادات جديدة تشعرهم بالطمأنينة:
"كان كثيرٌ من السكان يجدون في الفرار إلى الأقبية أثناء القصف شعورًا بالأمان، ناسين أن النجاة كثيرًا ما كانت ممكنة حتى لو ظلّوا في أماكنهم."
أحدث الحصار تحولًا جذريًا في السكان. اهتمام غينزبورغ بعلم النفس دفعها لملاحظة أن سكان لينينغراد كانوا تحت ظروف لم يألفوها منذ ولادتهم. حولتهم هذه الظروف ليكونوا كالأطفال غير القادرين على توفير التغذية اللازمة، وعندما احتدت وطأة الجوع حتى البديهيات التي اعتادوها كبالغين — مثل المشي والجلوس — أصبحت صعبة ومعقدة.
وعلى الرغم من أهمية مذكرات ليديا التاريخية، إلا أنها بالكاد معروفة خارج الأوساط الأكاديمية. وقد يعود ذلك لأن توزيع هذه المذكرات، شأنها شأن غيرها من اليوميات، كان طويلًا ومقموعًا من الاتحاد السوفيتي ليخفي هزائم الجيش الحربية.
ومع ذلك فإن الذين جربوا الحصار تقلدوا الشجاعة والصبر، وما بقاء لينينغراد عصية على السقوط إلا برهان على تلك القوة الكامنة فيهم.
المصدر الأصلي:
مقال مترجم عن Big Think:
https://bigthink.com/the-past/leningrad-siege-germany-russia-blockade/
ترجمة ونشر: ٢٠٢٢ / ٢٠٢٥